في عالم التكنولوجيا، هناك قاعدة ذهبية تقول: إذا لم تدفع ثمن المنتج، فأنت هو المنتج. يظن الكثيرون أن التطبيقات التي تملأ هواتفنا هي هدايا من شركات عملاقة، لكن الحقيقة أن هذه الشركات تتبع استراتيجيات دقيقة لتحويل حياتك الرقمية إلى أرباح طائلة عبر ثلاث طرق أساسية:
أولا البيانات: أنت لست مستخدماً.. أنت المنتج!
تطبيقات مثل Google Maps و Waze ليست مجرد أدوات للملاحة، إنها أجهزة تتبع طوعية. لكي توفر لك هذه التطبيقات أسرع طريق، تحتاج لمعرفة موقعك بدقة، وهذا يبدو مقايضة عادلة في البداية. ولكن، الثمن الحقيقي يتجاوز ذلك، فشركة جوجل تبني ملفاً كاملاً (Profile) عن حياتك الواقعية: أين تقضي عطلاتك؟ ما هي المتاجر التي تتردد عليها؟ هل تذهب إلى عيادات طبية معينة؟ هذا السجل التاريخي لتحركاتك هو أغلى ما تملكه، حيث يتم استخدامه في تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والأهم من ذلك، بيع وصول المعلنين إليك في اللحظة والمكان المناسبين تماماً.
ثانياً الانتباه: صراع الثواني والدقائق
هل سبق وأن فتحت تطبيقاً مثل Instagram أو TikTok لتفقد أمر ما، ثم وجدت نفسك قد استهلكت ساعة كاملة دون جدوى؟ هذا ليس ضعفاً في إرادتك، بل هو نجاح لتصميم التطبيق. العملة الحقيقية لهذه المنصات هي انتباهك. تم تصميم واجهات الاستخدام بمؤثرات نفسية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الملونة، لتحفيز هرمون الدوبامين في دماغك، مما يبقيك داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة. كل ثانية تقضيها هي فرصة لعرض إعلان إضافي، وهي جزء من بيانات سلوكية تُباع للمعلنين ليفهموا كيف تنجذب للمحتوى. أنت هنا لا تدفع بالمال، بل تدفع بتركيزك وصحتك النفسية ووقتك الذي لن يعود.
ثالثاً: استراتيجية الحبس (Lock-in): التخزين الذي يكبلك
هذه هي الاستراتيجية الأكثر ذكاءً في التخزين السحابي مثل Google Photos و iCloud. تبدأ العملية بعرض مساحة مجانية كافية لآلاف الصور. ومع مرور السنوات، تصبح هذه المنصة هي المستودع الوحيد لذكرياتك وتاريخك العائلي. وعندما تقترب المساحة من الامتلاء، تجد نفسك أمام خيارين: إما قضاء ساعات أو أيام في محاولة نقل مئات الجيغابايت إلى مكان آخر بصعوبة تقنية متعمدة، أو دفع مبلغ بسيط شهرياً لزيادة المساحة. هنا، تتحول الخدمة من مجانية إلى اشتراك إجباري، لأن الشركة تعلم أن تكلفة المغادرة نفسياً وتقنياً أصبحت أعلى بكثير من قيمة الاشتراك الشهري. لقد أصبحت رهينة لسهولة الاستخدام التي اعتدت عليها.
الثمن الذي تختاره
الهدف من هذا التحليل ليس التوقف عن استخدام هذه الخدمات الرائعة، بل الانتقال من الاستخدام العشوائي إلى القرار الواعي. عندما تفتح تطبيقاً مجانياً، اسأل نفسك: ماذا سأدفع اليوم؟ هل سأدفع ببياناتي؟ أم بوقتي؟ أم بحريتي في الانتقال مستقبلاً؟ الوعي بهذه المقايضات هو ما يجعلك تستفيد من التكنولوجيا دون أن تقع ضحية لآليات استغلالها.
------------
عزوز عماد
wwww.igli5.com
متابعة القراءة...
مواضيع مشابهة
اخر المواضيع

